الغزالي
50
المستصفى
جلال الله تعالى ، بل إن فتح باب الأوهام ، فربما يخطر له أن الله يعاقبه لو شكره ونظر فيه لأنه أمده بأسباب النعم ، فلعله خلقه ليترفه وليتمتع فإتعابه نفسه تصرف في مملكته بغير إذنه ، ولهم شبهتان : إحداهما : قولهم اتفاق العقلاء على حسن الشكر ، وقبح الكفر ان لا سبيل إلى إنكاره ، وذلك مسلم ، لكن في حقهم ، لأنهم يهتزون ويرتاحون للشكر ويغتمون بالكفران ، والرب تعالى يستوي في حقه الأمران ، فالمعصية والطاعة في حقه سيان ، ويشهد له أمران ، أحدهما : أن المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية بيته وحجرته مستهين بنفسه وعبادة العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في الرتبة . والثاني : أن من تصدق عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة فأخذ يدور في البلاد وينادي على رؤوس الاشهاد بشكره ، كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا وافتضاحا ، وجملة نعم الله تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك بالنسبة إلى خزائن الملك ، لان خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكسرة لتناهيها ومقدورات الله تعالى لا تتناهى بأضعاف ما أفاضه على عباده . الشبهة الثانية : قولهم حصر مدارك الوجوب في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل فإنهم إذا أظهروا المعجزات قال لهم المدعوون لا يجب علينا النظر في معجزاتكم إلا بالشرع ، ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في معجزاتكم فثبتوا علينا وجوب النظر حتى ننظر ، ولا نقدر على ذلك ما لم ننظر فيؤدي إلى الدور والجواب من وجهين : أحدهما : من حيث التحقيق ، وهو أنكم غلطتم في ظنكم بنا أنا نقول استقرار الشرع موقوف على نظر الناظرين ، بل إذا بعث الرسول وأيد بمعجزته بحيث يحصل بها إمكان المعرفة ، لو نظر العاقل فيها فقد ثبت الشرع ، واستقر ورود الخطاب بإيجاب النظر ، إذ لا معنى للواجب إلا ما ترجح فعله على تركه بدفع ضرر معلوم أو موهوم ، فمعنى الوجوب رجحان الفعل على الترك ، والموجب هو المرجح ، والله تعالى هو المرجح ، وهو الذي عرف رسوله ، وأمره أن يعرف الناس أن الكفر سم مهلك ، والمعصية داء والطاعة شفاء ، فالمرجح هو الله تعالى ، والرسول هو المخبر ، والمعجزة سبب يمكن العاقل من التوصل إلى معرفة الترجيح ، والعقل هو الآلة التي بها يعرف صدق المخبر عن الترجيح ، والطبع المجبول على التألم بالعذاب ، والتلذذ بالثواب هو الباعث المستحث على الحذر من الضرر ، وبعد ورود الخطاب حصل الايجاب الذي هو الترجيح ، وبالتأييد بالمعجزة حصل الامكان في حق العاقل الناظر ، إذ قدر به على معرفة الرجحان ، فقوله : لا أنظر ما لم أعرف ولا أعرف ما لم أنظر ، مثاله ما لو قال الأب لولده : التفت ، فإن وراءك سبعا عاديا هوذا يهجم عليك إن غفلت عنه فيقول : لا ألتفت ما لم أعرف وجوب الالتفات ، ولا يجب الالتفات ما لم أعرف السبع ولا أعرف السبع ما لم ألتفت ، فيقول له : لا جرم تهلك بترك الالتفات ، وأنت غير معذور لأنك قادر على الالتفات وترك العناد ، فكذلك النبي يقول : الموت وراءك ودونه الهوام المؤذية والعذاب الأليم إن تركت الايمان والطاعة ، وتعرف ذلك بأدنى نظر في معجزتي ، فإن نظرت وأطعت نجوت ، وإن غفلت وأعرضت فالله تعالى غني عنك وعن عملك ، وإنما أضررت بنفسك ، فهذا أمر معقول لا تناقض فيه . الجواب الثاني : المقابلة بمذهبهم ، فإنهم قضوا بأن العقل هو الموجب ، وليس يوجب بجوهره إيجابا ضروريا لا ينفك منه أحد ، إذ لو كان